أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

431

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الرابع : أنه حال ثانية ، والجملة المنفية قبله حال أيضا . وتعدد الحال لذي حال واحد جائز ، والتقدير : أنزله غير جاعل له عوجا قيّما . الخامس : أنه حال أيضا ، ولكنه بدل من الجملة قبله ، لأنها حال ، وإبدال المفرد من الجملة إذا كانت بتقدير مفرد جائز ، وهذا كما أبدلت الجملة من المفرد في قولهم : « عرفت زيدا أبو من هو » . والضمير في « لَهُ » فيه وجهان : أحدهما : أنه للكتاب ، وعليه التخاريج المتقدمة . والثاني : أنه يعود على « عَبْدِهِ » ، وليس بواضح . وقرأ العامة بتشديد الياء ، وأبّان بن ثعلب بفتحها خفيفة ، قد تقدم القول فيهما ، ووقف حفص على تنوين « عِوَجاً » مبدلة ألفا سكتة لطيفة من غير قطع نفس إشعارا بأنّ « قَيِّماً » ليس متصلا ب « عِوَجاً » ، وإنما هو من صفة « الْكِتابَ » وغيره ولم يعبأ بهذا الوهم ، فلم يسكت اتكالا على فهم المعنى . قلت : قد يتأيد ما فعله حفص بما في بعض مصاحف الصحابة : « ولم يجعل له عوجا لكن جعله قيّما » . وبعض القراء يطلق فيقول : يقف على « عِوَجاً » ، ولم يقولوا : ببدل التنوين ألفا ، فيحتمل ذلك . وهو أقرب لغرضه فيما ذكرت ، ورأيت الشيخ شهاب الدين أبا شامة قد نقل عن ابن غلبون ، وأبي علي الأهوازي ، أعني الاطلاق . ثم قال : « وفي ذلك نظر ، أي : إبدال التنوين ألفا ، فإنه لو وقف على التنوين ، لكان أدلّ على غرضه ، وهو : أنه واقف بنية الوصل ، انتهى . وقال الأهوازي : ليس هو وقفا مختارا ، لأنّ في الكلام تقديما وتأخيرا ، معناه : أنزل على عبده الكتاب قيما ، ولم يجعل له عوجا » . قلت : دعوى التقديم والتأخير ، وإن كان قال بها غيره ، إلّا أنها مردودة بأنها على خلاف الأصل ، وقد تقدم تحقيقه . وفعل حفص في مواضع من القرآن مثل فعله هنا من سكتة لطيفة نافية لفهم مخل ، فمنها : أنه كان يقف على مَرْقَدِنا ويبتدئ : هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ « 1 » قال : لئلا يتوهم أن « هذا » صفة ل « مَرْقَدِنا » ، فالوقف يبين أن كلام الكفار انقضى ، ثمّ ابتدىء بكلام غيرهم ، قيل : هم الملائكة ، وقيل : المؤمنون ، وسيأتي في يس ما يقتضي أن يكون هذا صفة ل « مَرْقَدِنا » فيفوت ذلك ، ومنها : « قِيلَ مَنْ راقٍ » كان يقف على نون « مَنْ » ويبتدئ « راقٍ » ، قال لئلا يتوهم أنها كلمة واحدة على « فعال » ، اسم فاعل للمبالغة من : مرق يمرق فهو مراق ، ومنها : بَلْ رانَ ، كان يقف على لام بل ، ويبتدئ « رانَ » لما تقدم . قال المهدوي : « وكان يلزم حفصا مثل ذلك فيما شاكل هذه المواضع ، وهو لا يفعله ، فلم يكن لقراءته وجه من الاحتجاج ، إلا اتباع الأثر في الرواية » . قال أبو شامة : « أولى من هذه المواضع بمراعاة الوقف عليه : وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً . فينبغي الوقف على « قَوْلُهُمْ » لئلا يتوهم أن ما بعده هو المقول ، وكذا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ، ينبغي أن يعتني بالوقف على « النَّارِ » لئلا يتوهم الصفة . قلت : وتوهّم هذه الأشياء من البعد البعيد . وقال أبو شامة أيضا : ولو لزم الوقف على « اللام » و « النون » ليظهر للزم ذلك في كل مدغم » . قلت : يعني في بَلْ رانَ وفي مَنْ راقٍ . قوله : لِيُنْذِرَ في هذه اللام وجهان : أحدهما : أنها متعلقة ب « قَيِّماً » قاله الحوفي . والثاني - : وهو الظاهر - : أنها تتعلق ب « أَنْزَلَ » ، وفاعل « لِيُنْذِرَ » يجوز أن يكون « الْكِتابَ » ، وأن

--> ( 1 ) سورة يس آية ، ( 52 ) .